محمد ابو زهره

537

خاتم النبيين ( ص )

وإذا كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يغز لحرب ، فقد غزا قلوبا ، وألفها لتكون قوة لأهل الحق ، وليدخل الإيمان إلى قلوبهم ، لأن تالف القلوب هو السبيل إلى دخول الحق إليها لكيلا تنفر ، فتعمى . ويلاحظ أن هذه البعوث كلها كان جنودها من المهاجرين ، فأمراؤها من المهاجرين ، وغزوات النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان الجنود فيها من المهاجرين ، ولم يكن فيهم من الأنصار أحد ، فلم يندب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أحدا من الأنصار إلا في بدر ، ولماذا كان ذلك ! لا بد أنه كان مقصودا منه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولم يجيء إذا اتفاقيا من غير قصد له بالذات . والجواب عن ذلك : أولا : إن المهاجرين هم الذين أوذوا في أبدانهم وكراماتهم من أولئك المشركين ، فهم أشد الناس رغبة في القصاص ممن آذوهم والقصاص شريعة لحكمهم ، فكانوا أولى بلقاء قريش من غيرهم ، ولأنهم هم الذين استضعفوا وأراد المشركون إذلالهم ، فكانوا في لقائهم بالمشركين وفرارهم منهم أشد تبيينا لبيان أن الحق قد علا ، وأنهم مكن لهم في الأرض ، وإن ذلك يكون أروع وأوقع ، وماذا تكون حال الصناديد من قريش إذا رأوا عمار بن ياسر وقد أوذى هو وأبوه وماتت أمه تحت حر العذاب ، حتى قال لهم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة » ، فماذا يكون وقع ذلك في نفوس الغلاظ إذا رأوا عمارا العملاق واقفا لهم بتمكين اللّه سبحانه وتعالى . ثانيا : إن الذين أخرجوا من أموالهم وديارهم هم المهاجرون ، فكانوا أحق الناس بأن يطالبوا بمالهم الذي اغتصب ، وديارهم التي خربت ، وأن يكفوا عن أهليهم وضعفائهم الذين لم يهاجروا شر أولئك العتاة أو يعطوهم وبال أمرهم جزاء بما اكتسبوا . ثالثا : وهو عمدة الأسباب وقوتها - أن عهد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان على الإيواء والنصرة وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وذرياتهم ، ولم يكن في ذلك النص على أن يخرجوا معه في حرب ، وإن فهم ضمنا أنهم يكونون معه في الحرب والسلم ، فلم يرد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يخرجوا معه في غير ما نص عليه العقد نصا صريحا لا تأويل فيه ، ولذا لم يدعهم إلى الخروج معه في هذه الغزوات وتلك السرايا ، وكان في المهاجرين غناء بالنسبة لهذا الغزو المحدود . ولذلك لما جد الجد ، وجاء جيش كثيف من المشركين عدته تجاوزت الألف استشارهم ، لتكون الإجابة رضا بأن يشتركوا في الحرب ، وتلك الاستشارة كانت عند الإقدام من قريش برجلها وعتادها وفرسها ، فكانوا عند رجاء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فيهم ، وعلى ما دفعهم إليه إيمانهم ، وهو أوثق العهود .